ابن عربي
266
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وإجابة الحق منقولة لكونه تعالى أخبر بها عن نفسه ، وأما اتّصافه بالقرب في الإجابة فهو اتصافه بأنه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد ، فشبه قربه من عبده قرب الإنسان من نفسه إذا دعا نفسه لأمر ما تفعله فتفعله ، فما بين الدعاء والإجابة الذي هو السماع زمان ، بل زمان الدعاء زمان الإجابة ، فقرب الحق من إجابة عبده قرب العبد من إجابة نفسه إذا دعاها ، ثم ما يدعوها إليه يشبه في الحال ما يدعو العبد ربه إليه في حاجة مخصوصة ، فقد يفعل له ذلك وقد لا يفعل ، كذلك دعاء العبد نفسه إلى أمر ما ، قد تفعل ذلك الأمر الذي دعاها إليه وقد لا تفعل لأمر عارض يعرض له ، والدعاء على نوعين : دعاء بلسان نطق وقول ، ودعاء بلسان حال ، فدعاء القول يكون من الحق ومن الخلق ، ودعاء الحال يكون من الخلق ولا يكون من الحق إلا بوجه بعيد ، وما دعا اللّه أحد إلا أجابه ، إلا أن الأمور مرهونة بأوقاتها لمن يعلم ذلك ، فلا تستبطئ الإجابة فإنها في الطريق ، وفي بعض الطريق بعد وهو التأجيل ، - وجه آخر في قوله تعالى : « لي » أي من أجلي ، لا تعملون ذلك رجاء تحصيل ما عندي فتكونوا عبيد نعمة لا عبيدي « وَلْيُؤْمِنُوا بِي » يصدقوا بإجابتي إياهم إذا دعوني - تفسير [ الإشارة - « وَلْيُؤْمِنُوا بِي » ] من باب الإشارة - « وَلْيُؤْمِنُوا بِي » أي ليكن إيمانهم بي لا بأنفسهم ، لأنه من آمن بنفسه لا باللّه لم يستوعب إيمانه ما استحقه ، فإذا آمن بي وفّى الأمر حقه ، وهذا هو الذي يصدق بالأخبار كلها ، ومن آمن بنفسه فإنه مؤمن بما أعطاه دليله ، والذي أمرته بالإيمان به متناقض الأدلة متردد بين تشبيه وتنزيه ، فالذي يؤمن بنفسه إيمانه بعقله لا بي « لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ » أي يسلكون طريق الرشد كما يفعل الذين إذا رأوا سبيل الرشد اتخذوه سبيلا ، فيمشي بهم إلى السعادة الأبدية - [ تحقيق : فَإِنِّي قَرِيبٌ ] تحقيق - إن اللّه تعالى ما أخبر نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بقربه من السائلين من عباده إلا ليعرف بثلاث أمور : هي القرب والسمع والإجابة ، فلم يترك لعبده حجة عليه بل للّه الحجة البالغة ، فإذا تحقق العبد بهذه الآية فأول ما ينتج له الزهد فيما سوى اللّه ، فلا يتوسل إليه بغيره ، وهو لمن تحقق بالقرب إلى اللّه ، فإن التوسل إنما
--> الدَّاعِ إِذا دَعانِ » الآية ، يقول لنبيه عليه السلام « إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي » من كان منهم ، تدل قرينة الحال ، أن سؤالهم عنه سبحانه إذا دعوه ما يكون منه إليهم ؟ قال : فقل لهم عني : إني قريب إجابة دعوة الداع إذا دعاني ، ولكن إذا دعاه عن ظهر فقر محقق ، معرض بقلبه عما